ابن قيم الجوزية
520
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
والغضب : يحمله على الكبر والحقد والحسد ، والعدوان والسفه . ويتركب من بين كل خلقين من هذه الأخلاق : أخلاق مذمومة . وملاك هذه الأربعة أصلان : إفراط النفس في الضعف ، وإفراطها في القوة فيتولد من إفراطها في الضعف : المهانة والبخل ، والخسة واللؤم ، والذل والحرص ، والشح وسفساف الأمور والأخلاق . ويتولد من إفراطها في القوة : الظلم والغضب والحدة ، والفحش والطيش . ويتولد من تزوج أحد الخلقين بالآخر : أولاد غيّة كثيرون . فإن النفس قد تجمع قوة وضعفا . فيكون صاحبها أجبر الناس إذا قدر ، وأذلّهم إذا قهر ، ظالم عنوف جبار . فإذا قهر صار أذل من امرأة : جبان عن القوي ، جريء على الضعيف . فالأخلاق الذميمة : يولد بعضها بعضا ، كما أن الأخلاق الحميدة : يولد بعضها بعضا . وكل خلق محمود مكتنف بخلقين ذميمين . وهو وسط بينهما . وطرفاه خلقان ذميمان ، كالجود : الذي يكتنفه خلقا البخل والتبذير . والتواضع : الذي يكتنفه خلقا الذل والمهانة . والكبر والعلو . فإن النفس متى انحرفت عن « التوسط » انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين ولا بد ، فإذا انحرفت عن خلق « التواضع » انحرفت : إما إلى كبر وعلو ، وإما إلى ذل ومهانة وحقارة . وإذا انحرفت عن خلق « الحياء » انحرفت : إما إلى قحة وجرأة ، وإما إلى عجز وخور ومهانة ، بحيث يطمع في نفسه عدوه . ويفوته كثير من مصالحه . ويزعم أن الحامل له على ذلك الحياء . وإنما هو المهانة والعجز ، وموت النفس . وكذلك إذا انحرفت عن خلق « الصبر المحمود » انحرفت : إما إلى جزع وهلع وجشع وتسخط ، وإما إلى غلظة كبد ، وقسوة قلب ، وتحجر طبع . كما قال بعضهم : تبكي علينا ولا نبكي على أحد * فنحن أغلظ أكبادا من الإبل وإذا انحرفت عن خلق « الحلم » انحرفت : إما إلى الطيش والترف والحدة والخفة ، وإما إلى الذل والمهانة والحقارة . ففرق بين من حلمه حلم ذل ومهانة وحقارة وعجز ، وبين من حلمه حلم اقتدار وعزة وشرف . كما قيل : كل حلم أتى بغير اقتدار * حجة لا جئ إليها اللئام وإذا انحرفت عن خلق « الأناة والرفق » انحرفت : إما إلى عجلة وطيش وعنف ، وإما إلى تفريط وإضاعة . والرفق والأناة بينهما . وإذا انحرفت عن خلق « العزة » التي وهبها اللّه للمؤمنين ، انحرفت : إما إلى كبر ، وإما إلى ذل ، والعزة المحمودة بينهما . وإذا انحرفت عن خلق « الشجاعة » انحرفت : إما إلى تهور وإقدام غير محمود ، وإما إلى جبن وتأخر مذموم . وإذا انحرفت عن خلق « المنافسة في المراتب العالية والغبطة » انحرفت : إما إلى حسد ، وإما إلى مهانة ، وعجز وذل ورضى بالدون .